فخر الدين الرازي

54

شرح الفخر الرازى على الاشارات

العناصر فاعلم أن العقل الأخير عندهم الذي يسمونه بالعقل الفعال ليس هو المدبر لكرة القمر بل العقل الفعال معلول العقل المدبر لكرة القمر وهو علة لهيولي عالم الكون والفساد ولا يجوز أن يكون هو وحده مستقلا بعلية صورها لان الاجرام العنصرية قابلة للكون والفساد فلها هيولى مشتركة ونسبة العقل الفعال إلى جميع تلك الهيولات وإلى جميع الصور على السواء فليس بان يكون سببا لاتصاف بعض الأجسام بالنارية والبعض بالارضية أولى من العكس ولان نسبة جميع الهيولات إلى جميع الصور على السواء ومع التساوي لا يمكن الترجيح فاذن يتوقف فيضان الصور عن العقل لفعال على أن يصير استعداد المادة لقبول بعض الصور أتم من استعدادها لقبول سائرها فإنه إذا ترجح الاستعداد كانت تلك الصورة أولى بالفيضان من العقل الفعال من سائر الصور ثم لا بد من سبب لتلك الاستعدادات المختلفة ولا سبب لها الا الاجرام السماوية بتفضيل ما يلي جهة المركز مما يلي جهة المحيط هذا عبارة الكتاب ومعناها أن الأجسام التي في داخل كرة القمر لا بد وأن يكون بعضها في المركز وبعضها في المحيط والذي يكون قريبا من المحيط أولى باللطافة والجزء الذي يكون قريبا من المركز أولى بالكثافة والبرد فاختلاف الأجسام في قرب بعضها من المركز وبعضها من المحيط هو الذي لأجله استعدت تلك الأجسام للصور المختلفة واما قوله وبأحوال يدق عن ادراك الوهم تفاصيلها وان فطنت بجملتها فالمراد أن اختلاف الأجسام في القرب والبعد عن الفلك كما يحتمل أن يكون سببا لاختلاف استعداداتها للصور المختلفة فكذلك يمكن أن يكون أمور أخر أسبابا لتلك لاستعدادات المختلفة مثل أن تضاف تلك الاختلافات إلى طبائع كرات أربع من الأفلاك أو كواكب أربعة وهذه الأمور وان عرفت على سبيل الجملة لكن الجزم بها وتفصيل القول فيها متعذر واما قوله وهناك توجد العناصر ويجب فيها بحسب نسبها من السماوية ومن أمور منبعثة عن السماويات امتزاجات مختلفة الاعدادات لقوى تعدها فاعلم أنه لما تكلم في كيفية اسناد العناصر الأربعة إلى عللها أراد أن يتكلم في المقتضى لامتزاجاتها وما ذلك الاختلاف نسب السماويات إليها فان الشمس إذا قربت من سمت الرأس سخن الهواء وإذا بعدت عنه يبرد ويحصل بسبب الحر والبرد امتزاجات مخصوصة مذكورة في العلوم الجزئية وهاهنا بحث وهو أن المقتضى لهذه الامتزاجات لا يجوز أن يكون قوى منبعة من جرم الفلك لان الأفلاك عندهم بسائط فحكم كل جانب منه مساو لحكم سائر الجوانب وإذا كان كذلك لم يلزم من حركة الفلك واختلاف نسب أجزائها إلى أجزاء العناصر أحكام مختلفة بل المقتضى لهذه الامتزاجات قوى منبعثة من الكواكب سواء كانت محسوسة مختلفة أو غير محسوسة لان طبائعها مختلفة ويختلف نسبها إلى العناصر بسبب حركات أكثرها أو لهذا السر أضاف الشيخ اختلاف أحوال هذه العناصر إلى السماوية لا إلى السماوات واما قوله امتزاجات مختلفة الاعدادات لقوى تعدها يعنى به انه إذا حصل الامتزاج استعد ذلك الجسم بتلك الكيفية المزاجية لقبول قوى مخصوصة عن واهب الصور حاصلة بعد حصول تلك الاستعدادات واما قوله وهناك تفيض بعض النفوس النباتية والحيوانية من الجوهر العقلي الذي يلي هذا العالم فالمراد أن عند حدوث الأمزجة تفيض النفوس الثلاثة من العقل الفعال المدبر لهذا العالم واما قوله وعند الناطقة يقف ترتب وجود الجواهر العقلية وهي لمحتاجة إلى الاستكمال بالآلات البدنية وما يليها من الإفاضات العالية فالمراد أن النفوس الناطقة في آخر مراتب الجواهر المجردة لحاجتها إلى